الشيخ محمد علي الأنصاري
475
أهل البيت ( ع ) امامتهم حياتهم
وعلّق الحافظ المنذري على الرواية بعد نقلها بقوله : « هذا منقطع ، أبو إسحاق السبيعي رأى عليّاً رضي الله عنه رؤية » « 1 » ثمّ قال : « وقال فيه أبو داود : حُدِّثت عن هارون بن المغيرة » « 2 » . إذن فهو يذكر إشكالين : 1 - عدم رواية أبي إسحاق - وهو عمرو بن عبد اللّه السبيعي - عن الإمام عليّ عليه السلام مباشرة ، فروايته هذه تكون منقطعة من هذه الجهة . 2 - إنّ أبا داود لم ينقل الرواية عن هارون بن المغيرة مباشرة ، بل حدّثه بها شخص آخر مجهول ، فهي منقطعة أيضاً من هذه الجهة . ثانياً - إنّ احتمال التصحيف في نقل الرواية وضبطها قويٌّ جدّاً ، فإنّ كتابة الحسن والحسين متشابهة ، بل وسماع لفظهما متقاربٌ أيضاً . ثالثاً - هناك بعض المحاولات لعدم ذكر الرواية التي تقول : إنّ المهدي من ولد الحسين عليه السلام ، وتقديم التي تقول بأ نّه من ولد الحسن عليه السلام « 3 » .
--> ( 1 ) ولد أبو إسحاق لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان ، وكان يقول : « رفعني أبي حتّى رأيت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب وهو أبيض الرأس واللحية » . وفيات الأعيان 3 : 459 ، الترجمة 502 . أقول : ومن هذه حاله فكيف يروي عن عليٍّ عليه السلام الرواية المذكورة ؟ ! ( 2 ) مختصر سنن أبي داود ( للحافظ المنذري ) 6 : 162 ، الحديث 4121 . وانظر الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة ( لمحمّد صدّيق حسن ) : 137 - 138 . ( 3 ) قال ابن القيّم الجوزية بعد هذه المحاولة : « وفي كونه من ولد الحسن سرٌّ لطيف ، وهو أنّ الحسن رضي اللّه تعالى عنه ترك الخلافة للّه ، فجعل اللّه من ولده من يقوم بالخلافة الحقّ ، المتضمّن للعدل الذي يملأ الأرض ، وهذه سنّةاللّه في عباده أنّه من ترك لأجله شيئاً أعطاه اللّه أو أعطى ذرّيّته أفضل منه ، وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه ، فإنّه حرص عليها ، وقاتل - عليها ، فلم يظفر بها ، واللّه أعلم » . المنار المنيف في الصحيح والضعيف : 151 . أقول : خفي على ابن الجوزية وأمثاله : أنّ الحسن والحسين عليهما السلام إمامان ، قاما أو قعدا ، فكلٌّ منهما كان يعمل طبقاً لوظيفته الشرعية ، ولولا خوف الإطالة لذكرنا تصريحاتهما وتصريحات سائر الأئمّة عليهم السلام بذلك . إذن لم تكن تضحيات السبط الشهيد عليه السلام حرصاً على الخلافة كما توهّمه هذا الشخص الذي لم يراع حرمة رسول اللّه صلى الله عليه وآله في سبطه وفلذة كبده ، فأساء الأدب ، بل الأمر كان على العكس من ذلك تماماً ، فإنّه لمّا بذل عليه السلام مهجته وضحّى بكلّ غالٍ ونفيس في سبيل اللّه وإعلاء كلمته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا حرصاً على الخلافة ، أبدله اللّه تعالى بامورٍ ، منها أنّه جعل الإمامة في ذرّيّته ، وقد ورد التصريح بذلك عن الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام الذين هم أدرى بما في البيت من ابن القيّم وأمثاله . انظر البحار 44 : 221 ، تاريخ الحسين عليه السلام ، باب ما عوّضه اللّه بشهادته . وأكثر هذه المحاولات جاءت لإخفاء نور الإمامة ، واللّه يأبى إلّاأن يتمّ نوره . ويؤيّد ما ذكرناه قول سعيد بن المسيّب لقتادة حينما سأله عن المهدي فأجابه إلى أن قال : « من أولاد فاطمة » فقال قتادة : « من أيّ ولد فاطمة ؟ » قال ابن المسيّب : « حسبك الآن » . فإنّ الظروف آنذاك لم تسمح لابن المسيّب أن يصرّح بالواقع ؛ لأنّه كان تأييداً لإمامة الأئمّة من ولد الحسين عليه السلام .